النسوية واستراتيجية التفكير

النسوية واستراتيجية التفكير

د. جمال الهاشمي 

النسوية اسم منسوب من غير قياس مبني على قواعد اللغة  ، وقد لوث هذا المفهوم بالممارسات المتطرفة التي انطلقت من استراتيجية التحرير من منطلقات مبنية على مقاومة الذكر، ولم تنطلق من كونها امرأة.

فالذكر يتميز عن الرجل بالهيمنة والتسلط، كما تتميز كثير من الأناث بنفس الصفات الذكورية، وهذا واحد من أهم مداخل الصراع بين الأنثى والذكر، لأن الأنثى بهذه الصفة الخلقية تتنوع بين الإنثوية الذكورية والأنثوية المتكيفة.

والعائلة أو البيئة  والمجتمعات الذكورية، بيئات غمط للحقوق وإذلال للكرامة ليس ضد المرأة فحسب وإنما هي بيئات أشبه بصراع الديوك، الذكورية في مقاومة الذكورية واذلال الأنثوية.

والبيئات الذكورية بيئات شائعة ومنتشرة وغير مستقرة، إذ تبدأ من قهر السلطة الأبوية للأنثى وتقديم الذكر، أو لبعض الذكور في مواجهة الذكور المستبعدة، وقد كان ذلك شائعا في جاهلية الأعراب وما تزال تطل بخلفياتها على واقع المجتمعات العربية.

وبطبيعة الحال فإن البيئات من هذا النوع وكذلك العوائل والعشائر لا تمارس الضدية على المرأة فحسب وإنما على الذكر أيضا، ولأن سياق مقالنا، هو حول دراسة الحركات النسائية والنسوية واستراتيجية التفكير، فإننا في سياق الحديث عن هذه مفاهيمها الحركية، والتحديد المفاهيمي  في علوم المنهج من أهم أدوات الضبط للإشكالية المنهجية، والوصف للظاهرة المدروسة.

إن البيئات الذكورية يقابلها البيئات الأنثوية، وفي العصر الحديث ونتيجة لغياب مبدأ العدال وشيوع الظلم والجور،  يكاد يكون من حيث الكم العددي متكافئ بعد انطلاقة حركات تحرير المرأة من قاسم أمين وهدى شعرواي ..الخ.

لأجل لذلك استمر الصراع بين الأنثى والذكر، وكان من نتائجه استمرار العنف بينهما، وانتقال هذا الداء إلى الأطفال، مما وسع من معاول تتبير المجتمعات، هذه المجتمعات الصراعية التي اسقطت النظم السياسية وقضت على معالم الدولة ودخلت في صراعات أهلية تحت مظلة التحرر من الاستبداد السياسي، بينما هي تمارس استبداد القربى، وهذا أسوأ أنواع الاستبداد عرفا ودينا.

ونرجع بمنهجية الاستقراء أن بروز هذا الصراع وانتشار دائه في المجتمعات يرجع بالأساس إلى النفسية الذكورية التي تجردت عن عقليتها وقيمها الرجولية، وكان من نتائج ذلك أن الزواج المعاصر بين كثير من العوائل المعاصرة عداء بين المتصاهرين، مما ترتب عليه حرمان البنت من الإرث، ومن راتبها، ومن حقها في الرفض والقبول، وقد يكون دافع قبول الفتاة للزواج هروبا من التسلط الأبوي أو الأخوي ومن تسلط العقلية الأنثوية كالأم والأخت وغيرها، وقد يؤدي إلى تدمير نفسية رجل لم يكن مستعدا لهذا الصراع، وقد يؤدي من جهة أخرى إلى الانتقال من صراع الذكورية والأنثوية في عائلة الزوجة إلى الصراع الذكوري في بيت الزوجية.

وكان من نتائج هذه المجتمعات السلبية بروز بيئات ذكورية على نوعين :

  • الرجولية الذكورية: وهي حركة قهرية مستبدة مبنية على نزعات نفسية، تتجلى فيها نفسية العساس (العسكرة الداخلية أو المخزن بلغة إخواننا المغاربة) وقد اتسعت رقعته في عصر بني العباس، وكان هذا النوع  منبوذا بين المجتمعات والقبائل العباسية، وقد احتاطت المجتمعات حينها من مصاهرة هذا النوع، كما احتاطت المجتمعات من مصاهرة بعض أرباب المهن التي تؤثر في نفسيات الرجل وتحرفه عن قيم الرجولة.
  • الذكورية المتكيفة: وهي ذكورية صفرية بمقياس الرجولة، وتتسم بالتبعية وفيها يبرز دور الأنثى المستبدة.
  • الذكورية الأنثوية: وهذا النوع ضحية للذكورية الرجولية أو المتكيفة أو ضحية للتطرف الأنثوي.

ويعد مقياس الرجولة هو المقياس الذي يحدد مدى تطور القيم في الذكر منذ ولادته ومرورا بأسرته ومجتمعه ولمحاضن التربية والتعليم دورا في تنمية القيم أو هدرها.

وقد جاء في فلسفة التمييز القرآني “وليس الذكر كالأنثى” بمعنى أن قيم المرأة تختلف عن قيم الرجل، وبينهما تكامل بنص يكمل المعنى القيمي فيقول تعالى:” “إنا خلقناكم من ذكر وأنثى” ولهذه المقدمات المنطقية نتائج بالضرورة وهو خلاصة التكامل فيقول: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو” وهنا تتولد أسمى درجات القيم في العلاقة الانسيابية بين الرجل والمرأة وهي التعارف، ومنها إلى المعرفة، والمعارف هي القابلة للتطوير وعليها يكون البناء.

وبعد تحديد الأسباب المؤدية لتنوع التفكير النسوي وبروز الطوطم الأنثوي  إلى جانب الطوطم الذكوري وصراع الآلهة والقيم الإنسانية حول حقوق المرأة وحقوق الرجل برزت أيدولوجيات أنثوية كردة فعل لأيدولوجيات الذكورية على نحو ما يلي:

  • النسوية الذكورية: وهي حركة حقوقية كردة فعل مناهضة لهيمنة الرجولية الذكورية وتتسم بالاستبداد والهيمنة لأن أساس تكوينها تشكلت في بيئات عائلية مستبدة، وفي سلطة أبوية قهرية وهي حركة نفسية متطرفة لم أجد مفهوما يختزل هذه الظاهرة أكثر من صك مفهوم “النسوية الذكورية” كونها خرجت عن التفكير الجمعي لمفهوم النسائية وهو مفهوم كلي يعد من محددات التفكير الأنثوي وأحد مصادر الضبط الفكري،  و قد  تقمصت الصفات الذكورية بكل سلبياتها، وأصبحت ذكرا على هيئة أنثى، وقد ساهم هذا النوع من انتشار الذكورية المتكيفة.
  • النسوية المتكيفة: وهي أنثوية صفرية بمقاييس المرؤة ، المرأة” تخلت عن حقوقها وحريتها واختيارها، وأصبحت إمعة تبعا للذكر متكيفة معه دون تمييز عقلي أو دراية واعية، وقد ورد في الحديث “ولولا حواء ما خانت امرأة زوجها” والخيانة عنها هو تخليها عن دورها ووظيفتها في التنمية والحضارة والتعليم والمجتمع والدولة، وقد ساهم هذا النوع من تمكين الرجولية الذكورية.
  • النسوية الأنثوية: وهذا النوع يتموقع في السلب من مقياس المرأة كقياس  جزئي ضابط على المستوى الفردي أو مقياس النسائية كمقياس كلي، ويتسم هذا النوع في كونه يرى أن وجوده في الحياة جاء من أجل تمتيع الذكر، وأن قيمتها الحقيقة فيما يجب أن يراه فيها الرجل ويحبه.
  • النسوية المثلية: وهي حركة تاريخية معروفة نشأت في مجتمعات تتسم بصفتين: الرجولية الذكورية، وهيمنة الثقافة اليونانية في الرؤية النسوية.

وعلى أساس ذلك يمكننا تمييز المجتمعات بين:

  • مجتمعات الرجولية الذكورية: ويبدو من خارجها أنها مجتمعات محافظة وهي في الأساس مجتمعات تكمن فيها كثير من الأزمات الأخلاقية، من هذه الكوامن تجارة الرقيق الأبيض والأطفال مما أثر على حق المرأة وحقوق الطفولة، وقد وجد في أحد التقارير اليونسكو 2009 أن أكثر الدول المحافظة أكثرها تجارة للرقيق.
  • مجتمعات الذكورية المتكيفة: وهي التي يسيطر عليها الطوطم الأنثوي وهي حركة صاعدة في العصر الحديث ليس الغاية من ذلك تمكين المرأة من حقوقها وإنما توظيفها سياسيا بفضل موجات التبني العالمي لحقوق المرأة وتحريرها عالميا.
  • مجتمعات النسوية الأنثوية: وهي مجتمعات يغلب فيها استمراء المرأة للعبودية وقبولها بسلطة الرجل وإهدار حقوقها، ويهيمن هذا النوع على المجتمعات التي تمنع المرأة من حق التعليم.

 

ويغلب في كل هذا المجتمعات كثير من الأدواء منها غياب الثقة والتحرش والاغتصاب والانحرافات القهرية بكل أنواعها.

وفي مقابل هذه الأيدلوجيات التاريخية تشكلت العدالة والمساواة في نوع واحد من المجتمعات القائمة على الأصوليات الأولى والمبادئ الإنسانية وفيها نوعين من النماذج التكوينية للمجتمعات وهي:

  • الرجولة: لا تعني الرجولة الذكر مطلقا، بل الذكورة هي النواة الأولى لتطور القيم الرجولية، فهي بذلك تتسم بقيمة مادية “ذكر” وقيمة رجولية ، وقد أشير إلى قيم الرجولة في كثير النصوص القرآنية، فقال في سورة النساء: “رجلين” وهي من مؤشرات العدل التي اختزلت مفهوم الشهادة لإقامة الحق، ومنها “رجل” في الحقوق للإشارة إلى علم المواريث، وقد تعددت صور الرجل في القرآن وأبلغ تصوير جاء على لسان لوط فقال: “أليس منكم رجل رشيد” إذ أن الرجولة والرشد يتلازمان، وتعني المسؤولية “وجاء من أقصى المدينة رجل” والمسؤولية هي ثمار كثير من الفضائل لا تقام إلا بها كالصدق والأمانة والوفاء والعدل والحكمة ..

بل إن المعارضين للأنبياء نزهوا الذكورية عن الأنبياء فقالوا :”إن هو إلا رجل به جنة” وفي رواية “افترى على الله كذبا” فجاءت صفة رجل لتثبت منزلة المتهم وجاء الجنون والافتراء بالمعنى المجرد عن الدليل من جهة الإطلاق ومجردة من  قياسات العدل من جهة الطرح، ولو قالوا كذب علينا لكان فيه دليل يدين قيمة الرجولة، ولكنه نسب الكذب على الله بما ليس لهم به على ذلك دليل.

  • المرأة: وهي قيمة تجمع بين الأنثوية كأول منازل التطور، وهي من اشتقاقات “امرؤ” وجميعها من المروءة، وبذلك فيه واضحة بهذه القيمة لأن المرأة أقل كذبا وخصاما وصراعا من أخيها الرجل، وبهذه المفارقة نجد أن الذكورية أكثر انتشار وتوسعا، على عكس الأنثوية فإن انتشارها أقل بمائة ضعف من انتشار الذكورية.

بل ورد في القرآن ما يحدد المرؤة في المرأة كقيمة إنسانية مطلقة ، فقال: “إني وجدت امرأة تملكهم” ولم يقل أنثى لأن قيمة الملك تحتاج إلى قيمة مماثلة في الوصف اللفظي، وفي موضع آخر وصفا لامرأتي نوح ولوط” فخانتاهما” وهنا دقة في القياس والوصف معا، فلو كانت الخيانة جسدية لوصفت بالأنثى لاقترابها من الصفة الحيوانية كالذكر من حيث الخلقة، ولكن جاء وصف امرأة ليدل على أن المخالفة في الفكر فسحب، وبدليل آخر أن امرأة لوط  هاجرت مع عائلتها على الرغم من مخالفتها له، وقد وصفت نسوة مصر “امرأة العزيز” بالمرأة وجعلوا المراودة اسقاطا لمنزلتها في سلم قيم المرؤة التي بكى عليها الباكون ويبكون.

فالتكامل الجيني بين الذكر والأنثى يستدعي بالضرورة التكامل القيمي بين الرجل والمرأة .

وبهاتين الصفتين تتجلى مبادئ القيم الإنسانية العدلية في حفظ حقوق المرأة والرجل من تطرف أحدهما على الآخر من خلال :

  • مبدأ المساواة وهي العدالة المادية التي طبقها أبو بكر الصديق خلال حكمه، حيث ساوى بين السابقين والمؤلفة قلوبهم في العطايا والهبات بما فيهم الرجال والنساء، وتعد المساواة أحد تجليات الإحسان التي تتجاوز العدل إلى العفو .
  • مبدأ العدالة: ويقتضي مبدأ العدالة أن يقاس دور المرأة بدور الرجل، وعلى أساس هذا الدور والمهام تتجلى قيم العدل، ضمن مؤشرات علمية عملية ينظر إليها من باب الرحمة والمصلحة كأحد مقاييس إقامة العدل.