المؤشر ات الاستدلالية على توجهات النظم والشعوب في ظل الأزمات المعاصرة

0 44

 

د. جمال الهاشمي

تعد  وعاء للتأثيرات والتوجهات السياسية والفكرية ، والفكر هو الاتجاه الموافق أو المعاكس لتوجهات السلطة، وهذا السمة تتميز بها الدول المتقدمة  في إطار القيم الديمقراطية والعلمانية، فيهر بجلاء وضوح التوجهات السياسية وتوازنها أو اضطرابها بسبب قوة التأثير الأكثر حضورا في المجتمع.

وتميل السلطة إلى التكيف المنطقي مع مطالب المجتمع لضمان شرعيتها في الوصول إلى السلطة أو ممارستها، وتبقى المؤسسة العميقة هي المرجع الأول التي تنظم مسارات الحكم والواقع والمجتمع، والتي تقوم على قوة الفكر وتوجهاته ومقاصده الوطنية، وقوة الدعم المؤيد لها في الإعلام والتمويل.

على العكس من ذلك فإن طبائع الاستبداد الفكري بتنوعه  أو الفردي أو الإقطاعي أو الغوغائي بكل توصيفات النظم، فإن التوجه الرسمي يبرز للعيان في منطوق الفرد والمجتمع،  بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي باستثناء التوجه المعارض من خارج الدولة.

وتنظم أنظمة الاستبداد آليات الإعلام الرسمي لترقيع هفوات الإعلام الاجتماعي في حال أتى بنتائج عكسية غير متوقعة، وهذا المؤشر الاجتماعي يحدد طبيعة التفكير ومستواه في السلطة كونه مؤشرا حقيقا له، بينما لا يعد الإعلام الرسمي مؤشرا على حقيقة توجه السلطة، لأنه يرتبط بالدبلوماسية السياسية للدولة.

فإذا قمنا بقياس العلاقة بين مؤشر الإعلام الاجتماعي المتعلقة بالأحداث والأزمات والنزاعات ، سنجد أن التوجه الإعلامي على هذه الوسائل  هي التي تعبر عن إرادة النظم ، ويعضد هذا التوجه الانسجام بين مختلف المشهورين على وسائل التواصل واتفاق آراءهم ، وإن تنوعت بين الجرأة والمراوغة، فإحداهما تعمل على ترقيع التوجه بنفيه، والأولى تسعى لتمريره وتثبيته، ويأتي الإعلام الرسمي بعد ذلك ليعالج هذا الخلل بإجراءات المعالجة التي قد تتخذ صورا تأديبية.

وهذا التوجه يرجع إلى اضطراب السياسة في كونها غير مبنية على النظر والاستدلال، كمت تنقصها المعرفة أو لديها خلل منهجي في البحث الذي يعمل على تحقيق التوازن بين المطالب والمبادئ، وحركة العقل في المعقولات والنفس في المحسوسات.

وهناك مؤشر كامن، وهو الصمت الاجتماعي وغياب التوجه المجتمعي في التعبير عن آراءه كون الاستبداد من المؤسسات التربوية السلبية التي تؤسس لثقافة النفاق الاجتماعي ، والنفاق الفردي، وتخرجه من ثقافة أدعو بالتي هي أحسن، وجادلهم بالتي هي أحسن، حتى أحرجت الحسنى التي هي من وسائل وأدوات تقوية الروابط الاجتماعية، واستبدلت بتزعم الخيرية المطلقة “أنا خير منه” مما جعل المجتمعات تعيش أسوأ دركاتها الأخلاقية وأكثر اقترانا من ثقافة الأبالسة، وهكذا تموج المجتمعات التي كانت مرجعا أخلاقيا للبيئة السياسية نحو مزيد من التفكك الطبقي والعنصري ،لا سيما وقد خرجت المعتقدات في نقاشاتها مع المخالف من ثقافة الحسنى إلى ثقافة التنفير والتعبئة والتعصب، ومن ثقافة الفضيلة التي تزينت بها العرب في جاهليتها إلى ثقافة السفه الذي بادر بها النسب الشريف في شخصية أبي لهب.

إن الانحراف الأخلاقي العنصري الذي حدث في مكة بقيادة أبي جهل، وقطع أواصر القربى مع أبي جهل، أحدث تغييرا جغرافيا، نقل السيادة الأخلاقية من مكة إلى المدينة، فكان قطبا انفتح بالتجديد وخلق الإنسانية في الثقافات العالمية، فسبقت المدينة بذلك فكانت قلب الحضارة، وأبطأت قريش فأصبحت طرفا فيها، وهكذا تهاجر القيم مع الإنسان، ويهجرها آخر وهو يحملها، كمثل الحمار يحمل أسفارا، ولا يسمى الفقه فقها حتى يرتبط بالسلوك ومآلات تأويله، فإذا سقطت معايير المأسسة سقطت معها معارفها، والمعارف تقاس بسلوك المجتمعات لا بتدويناتها.

عكس واقعنا الإسلامي المليء بالقيم المجردة عن السلوك ، أو الذي صار السلوك القيمي فيها غريبا، فإن لكل أمة ثقافة تعتز بها في كونها سلوكا ونموذجا، وهنا نجد  في الدول الديمقراطية حق التعبير بالأليات المطلوبة لأن التعبير الحقيقي يوفر للمؤسسات كما معرفيا من المعلومات التي تتخذ بناء عليها قراراتها، وإن حدث أي تصادم بين توجهات السلطة والمعارضة،  كان القضاء ومؤسسات حماية الديمقراطية الفيصل بينهما  ومرجعا عدليا يعيد توازن العلاقة ويدرس مآلاتها، وبهذه الآليات يجففون منافع العنف والثورات الفوضوية، وإذا وضعت المحاكمة  بين الفرقاء أبرزت مبادئ التعبير التي تسمح  في إطار القيم الوطنية و الإنسانية والقانون والنظم الدستورية.

على العكس من ذلك في أنظمة الاستبداد التي تؤسس أصوليات حكمها على مبادئ التفاهة وهي المبادئ التي تعبر عن ثقافة الوضعاء وهم التافهون والسفهاء في كل مجتمع، ولكل قوم شريف كما وأن لكل قوم سفيه، وهنا نجد النعرات العنصرية الجهوية بين العرق الواحد، ليس في كون الرامي بالشين متميزا، بل لكونه فاقدا لهذا التميز، وفي كل مجتمع يوشك أن ينها يبرز فيه تافهون مترفون في اللفظ والفراغ والرذائل فيتصدرون بثقافة الانحطاط المجتمعي القابعين فيه، لا بثقافة المجتمعات النبيلة، والفرع إن استوطن في غير أصله تصدر في السفاهة.

وتعد السفاهة عنوانا محضا للتوجه المعاصر، ومؤشرا على توجهات القرارات السيادية، إذا تحقق تعيين منابعها ومصادرها من جغرافية حكمها، أو ارتبطت بمؤثرات خارجية، كما أن الجدال على الساحة العامة ووسائل التواصل ، واتساع معارك التفاهات وساحتها مؤشر خطير على هشاشة المجتمعات ، وداعية لهشاشة المعتقدات.

ولا شك أن لأنظمة الحكم ما يعارضها، ومن ثم فإن المعارضة تكشف الوجه الأخر للسلطة،  ومؤشرا استدلاليا على توجهات السلطة والنحب السياسية، وفي الغالب لا يوجد توافقا محضا بين السلطة والمعارضة، ومن جهة أخرى  فإن الصمت يعد واحد من أهم المؤشرات الدالة على الاستبداد والقمع بشقيه السياسي والديني.

و المستبد الذي لا يحظى بشرعية وطنية من الداخل  يعد من الأدوات الخارجية المؤقتة، واستمرار وجوده مرتبط بقوة النفوذ الخارجي، فإن ضعف النفوذ المؤيد له من خارجه، أو برزت قوى منافسة تحقق التوازن على المستوى الدولي اختل حكمه، وحول الدولة إلى ساحة حرب تنتهي بالتضحية به،  أو بالفوضوية ونهاية النظام والحكم وفقا لفلسفة التجديد الجبري، وقد يؤدي إلى نهاية الدولة وتمزقها في جهويات سيادية مختلفة تؤسس لصور جديدة من أنظمة الاستبداد الجهوي وصراعات جغرافية طويلة المدى.

وهو ما تدركه المؤسسات الأوروبية، وتخشى من تحقيقه، فإن الصراع داخل الثقافة أكثر خطرا من الصراع مع ثقافات أخرى، وتشهد دول العالم العربي صراعات في الثقافة على المستوى الاجتماعي صراع بين السلفية تيار الحديث، والأشاعرة، وبين الصوفية والسلفية  وبين الإسلام السياسي والإسلام الأصولي، وهذه الصراعات هو صراع على القيم والشرعية، وبروزه في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من المؤشرات الدالة على إظهار دوره السياسي كون إمكانيات السلطة تعد مهمة في تنفيذ مشاربه الفكرية، ومن جهة أخرى فإن بروزه الاجتماعي من أجل اتخاذها وسيلة من وسائل التعبئة الاجتماعية وتهيئتها  للتعبئة العسكرية في ظل التحديات المعاصرة وغياب الأمن المجتمعي والسلطة التي تحقق التوازن بين التوجهات الدينية والفكرية مع بروز مؤسسات حوار الأديان والمعتقدات والحوار الوطني  ضمن شروط التوجهات السياسية وشروط الأقوى وتوجهاته.

وسنجد عبر تاريخ العقل السياسي الغربي أن معالجة الأزمات يأتي بخلق عدو وهمي أو عدو يمكن أن يشكل تحديا حقيقا، وغالبا عندما تسعى الدول نحو قرار الحرب الدولي فإنها تتخذ إجراءات عميقة في داخل الوطن لضمان أمنها الداخلي في صراعاتها  الخارجية فلا تجمع بين عدويين من الداخل أو من الخارج، وقد بدأت ذلك في معاداة السامية قبيل الحرب العالمية الثانية ومنذ عقدين وهي تعمل على مفهوم الإسلام المخيف، أو الإسلام فوبيا، وهي الثقافة التي تتبعها الحكومة الهندية مع المسلمين في الهند وأصبحت ثقافة مجتمعيا في كل دول العالم بما فيها دول العالم العربي.

ومع هذا فإن أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي ساهمت في حربها ضد الإرهاب واتخذته من أهم أدواتها الشرعية الدولية والمحلية، صنفت كدول إرهابية أو ملاذ للإرهاب أو منبع له، فانهارت بعضها بقوى دولية أو ثورة شعبية ، وساهمت  دول أخرى بإسقاط الدول التي سقطت بغية النجاة من المصير نفسه، وخضع البعض الآخر تجنبا  لأي تصنيف يطالها، ثم وقعت وستقع في المصير ذاته بدليل تصاعد قوى المعارضة الدولية لأنظمتها، وبنفس الخطوات التي ساهمت في إسقاط الدول السالفة لها، ولكل حديث توقيتاته المناسبة، لاسيما وأن السياسات المتبعة  تتراجع من السيء إلى الأسوأ.

وسنجد اختلافا في آليات الإصلاح بين دول الشرق الأوسط ودول أوروبا، في أن دول الشرق الأوسط تسييس الإجراءات الإصلاحية بدافع تسكين الأزمة، لصعوبة الحلول المتاحة أو لخلل فكرها في إدارة السياسات الإصلاحية والتي غالبا ما تكون أفيونية.

بينما يبتع العالم الغربي أليات تقدمية من أجل خلق الثقة بقدراتها بما لا يخرجها عن مبادئها، أو يحرجها في واقعها، وهو ما جعل المجتمع واحدا من أهم الأدوات الدبلوماسية والفكرية والثقافية في صناعة الدولة والمجتمع.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.