الجغرافيا المقدسة بين الفتوى والتوظيف السياسي

0 38

 

د. جمال الهاشمي

أولا السياق التاريخي لتوظيف المفاهيم الدينية.

ظلت شعيرة الحج عبر تاريخ الدول والدويلات المنفصلة عن الخلافة العباسية في الصدر الثاني في منأى عن التوظيف السياسي، حيث احتدم الصراع حينها على مفهومي الخلافة والأنساب كموضوعات نبوية أو تاريخية تستشهد بها في ترتيب منازلها في الحكم والسلطة، وكان موضوع النسب الذي وظف توظيفا سياسيا من أهم أدوات الانحطاط الذي أضر بالدولة المدنية وكان م من أهم أدوات التفكيك الاجتماعي، ومخالفا لنص “وإن ولي عليكم عبدا حبشي.. ما أقام فيكم”   حيث هيمنت فكرة النسب على فكرة العدل فأضر مفهوم النسب بمقاصد الحكم الإنسانية وحوله من عن موضوعاته العدلية والنفعية إلى القداسة الجينية.

وأدى الصراع بين أولاد العمومة؛ بين الطالبيين والعباسيين إلى تحريف مفهوم الخلافة عن مقاصدها السياسية والكفاءة والرضا والقبول الاجتماعي الذي جسد مشروعية الحكم وهو موضوع اجتماعي إلى شرعية الحكم كمحدد لاختيار الحاكم وانتخاب المحكومين فهو ضابط للمجتمع إذا كان مؤهلا للاختيار وللحاكم إذا كان أهلا للحكم، وهذا العقد منصوص عليه في النصوص الدينية لأن عقد طاعة وصبر في المنشط والمكره، وبذلك فإن موضوع العدل السلطوي على أهميته، يضحى به لصالح الأمن والاستقرار وينمى بالطرق السلمية داخل المجتمع عبر أدوات التنمية الثقافية، لأن الأمن حصن من الفوضوية والدماء التي تحدثها الثورات الدينية والشعبية، وبالصبر يحدث التغيير داخل السلطة وبقوة النافذين من داخلها بالانقلاب أو التغيير وبذلك تضيق مساحات العنف وتبقى في دائرة النخبة، ويسلم المجتمع الواعي من الظلم العام الذي تحدثه الثورات العامة، لارتباط الثورة بالفتنة وهي أشد من القتل وأكبر منه لأن فيه تفويت مصالح الناس واستباحتهم لبعضهم وتضييعا للأمن الديني وإقامة الشعائر وتحريفا لمقاصد الدين وشرائعه.

فالفتنة التي تحدثها الثورات يأتي على الأخلاق والضمير والقيم والدين والدنيا والتنمية والدماء، وكل داع للثورات يعد مجرما ناقضا لعهد الله وميثاقه، والبديل عنها كما ورد بالنصح لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا هو المبدأ السلمي للتغيير السياسي وفي إطار دوائره المغلقة، والمقصود” بكلمة حق عن سلطان جائر” إنما هي وظيفة العالم وليس من وظائف العامة، وأن يكون العالم وجاء للعامة وليس محتميا بهم، وأن يجبر على طلب الرأي وليس أن يأتيه طواعية، وفي هذا تفصيل لدور العالم في المجال العام والخاص، ومن مقتضياته الفصل وليس الدمج لما في ذلك من مصالح معتبره.

والصبر على الحاكم من المصالح المعتبرة شرعا والتي تمنع احتمالات الأسوأ بالسوء السائد، بل على العالم الواعي بمدركات المتغيرات وتحولاتها أن يطع الحاكم كما فعل الإمام أبو حنيفة، ومثله الإمام مالك، وابن حنبل والشافعي، وقد أدركوا أن الحاكم فاقد لأهلية الحكم، ومع هذا حافظوا على المنظومة العامة ضمانا للأمن المجتمعي.

وتعد الخلافة من النماذج العقلية للحكم بما في ذلك المصالحة التي انتهت بتنازل الحسن بن علي، الفقيه المصلح الذي أدرك أن انتقالها من دائرة الخلافة إلى دائرة الملك يؤسس للسلام والأمن والاستقرار المجتمعي، وأن هذا الانتقال سيكون محتما بالقوة أو بالسلم، فقدم مبدأ السلم على مبدأ القوة في إدارة الحكم لحفظ المصلحة العامة، والشريعة كما هي السياسة مصلحة كلها، عدل كلها، وقدمت المصلحة على العدل لأنها العدل منها وفيها من المصالح الخفية أضعاف المصالح الظاهرة ولا يعلمها إلا ذوي الدراية والاستنباط “لعلمه الذين يستنبطونه منهم” والمستنبطون هم الذين يدركون مسالك المصلحة ومواقع المصالح بالمتغيرات والواقع والمستقبل.

وقد بينت السنة أن الخلافة كنموذج لن تعود إلى الحكم إلا بنبي يؤسس لها والملك سيأتي بعدها حتى يعود الظلم  مجددا ضمن دوائر انتقالية تدرك بظواهرها، ومع هذا يعد  نظام الملك من أفضل أنظمة الحكم بعد الخلافة، وهو من النعم الذي ارتبطت بالنبوة في بني إسرائيل وبالخلاف في أمة الإسلام “وجعلكم ملوكا” وفي الحديث “ثم يكون ملكا ورحمة” وقد أعز الله الإنسانية بمملكة المسلمين حتى نهاية الدولة العباسية التي انتهت بالقضاء على المستعصم بالله، وبسقوطه سقطت المجتمعات الإسلامية.

وقد أطلق  المؤرخون عليها الخلافة مجازا، أو لكون الخلافة من أهم المبادئ التي تتقارب بها الأنظمة مقاربة منهجية  وتتخذها مرجعا، أما الخلافة الحقيقية فلن تكون إلا بما أشارت إليه النصوص “فتكون إلى ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها”.

وكل أنظمة الحكم عقلية تقاس شرعيتها بالمصلحة و الأمن والعدل والاستقرار، وهو من ثمار العقل الإنساني التاريخي الذي أسس لقيم الحكم وأنظمتها بالتجارب الحضارية الإنسانية عبر التاريخ، واشتهر العدل في روما واليونان و فارس وفي كثير من الحضارات القديمة، وفي أوروبا المعاصرة، لأنه مطلب إنساني، وتأتي أهمية الوحي في كونه يختزل التجارب الإنسانية وينظمها في دولة عادلة إنسانية بأقل التكاليف والخسائر، وهذه مصلحة عامة، وينظم لها مصالح الآخرة بحرية الاختيار والدعوة والتأليف لا بالإكراه والجبر والتكفير.

وقد كانت أنظمة الحكم في الحضارات الإنسانية القديمة تتميز بالفصل بين المجتمع والنظام السياسي من جهة، والفصل الوظيفي بين السلطات داخل النظام ، وتجعل من المؤسسة العليا بقيادة الملك أو الإمبراطور مرجعا  ورمزا للقيادة التي تنتظم بها مصالح العامة.

وتعد موضوعات التنمية من المستحدثات الحديثة، والذي ترتب عليه هيمنة الدولة على وظائف المجتمع الاقتصادية ومن ثم برزت إشكاليات اقتصادية أدت إلى سيطرة المؤسسات الاقتصادية على رأس المال الاجتماعي والسلع السوقية، وترتب عليه انقياد الدولة أو منافستها للشركات الخاصة، وهو ما أدى إلى تفشي البطالة، وفشل المشاريع الصغيرة، وهو شكل تحديا أمام الدولة أولها تحديات متطلبات التعليم الذي تتناسب مع سوق العمل، والثاني تحديات الوظيفة العامة التي أصبحت في نظر المتعلم من الحقوق جراء ما أهدره من سنوات في التعليم، وأن الدولة التي اعترفت بشهادة يحتم عليها توظيفه بموجبها.

وقد يحدث خلل في إدارة النظم السياسية إلا أن جميع النظم تحدد بالأعراف والقيم الدينية والثقافية وخصوصيات المجتمعات، وهنا يجب أن نميز بين النصوص كمحددات وبين العقلانية التي تدار بها الدول والمجتمعات وهي من خصائص الإنسان ومميزاته.

وإذا نظرنا إلى مصادر تخلف المسلمين في الثقافة المدنية وإدارة الحكم، سنجد أن صراع الأفكار اللامنهجية حول  الخلافة والدين والنسب جعلها من المعوقات المدنية والسياسية ومن الأدوات الهدامة والفوضويات المجتمعية، وقد تولد عنهما تأصيل مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوارج بسياقات مخالفة للنص وباغية عليه، وهو من الأصول الخمسة عند  المعتزلة، وكل من تقول بوجوب الثورة فإنها تنطلق من هذا الأصل وإن تعدد مسمياتها.

ويعد هذا المفهوم من المفاهيم الإشكالية كالتقية التي نص عليها في سورة آل عمران، وكذلك الخلط بين مفهوم العدل والصلح والذي ترتب عليه فوضوية المجتمعات والنظم السياسية، وهذه المفاهيم تعد من المفاهيم الاجتماعية والمجال العام.

وقد استبدل مجاله بالمجال الخاص أو البيئة السياسية وترتب عليه صناعة  فكر منفصل عن النص وبالنص،  والبعض جعلها مطلقة وغير مقيدة بالمصلحة ومقاصد الشرع والعقل، باستدلالات فكرة لا فقهية واستغلالا لمفهوم  الكلمة ” أفضل الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر”،

وبهذا التحريف المقاصدي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوسيع نطاقه مع تحريف سياقه  الاجتماعي أفتى كثير من رؤوس الفتن عبر التاريخ بالثورة تحت مظلة الدين، فصارت الثورات التي يستباح بها الدماء والأعراض ويهدد الأمن والاستقرار ومصالح الناس من مقاصد الدين وفقا للمقاولين  بتأويلات النص  المخالف لمقاصد النص ونشأ عن هذا التدين ورجال الدين كنماذج مساوية أو وصية على النص السياسي الديني.

ومن خلال النقد المنهجي وتتبع النصوص الدينية من القرآن والسنة، وتاريخ الأمة، وبما استقرأ من لأدلة النقلية والعقلية ، توصلنا إلى أن كل من يدعو إلى تجديد الخلافة ويجيز الثورات، إما جاهل بفقه الاستنباط غير واع به، وإما جاهلا  بأصول الواقع ومتغيراته وتحولاته، أو متأول يرعى مصالحه الخاصة وهذا غالب في كل الأيدولوجيات الطائفية والحزبية بشقيه القومي والديني والتاريخي، أو ينقاد لتأثيرات عاطفية يرى فيها نفوذه الاجتماعي والحزبي ويخشى منها على مصالحه، وأنه بدونها لن يكون مؤثرا ومعروفا.

ومن هنا نأتي إلى مفهوم الجماعة والذي نحدده بنخبة المعرفة سواء كانوا علماء دين في العالم الإسلامي أو فلاسفة من جهة المجال العام،  والنخب السياسية من جهة المجال الخاص، وهذا الفصل مبني على حجم البيئة ومساحتها ولكل منها حدودا، حيث تتسع مساحة المجتمع مع نخب المعرفة، وتضيق مساحتها مع النخب السياسة، وفي حال التناقض بين البيئتين يحدث الصراع بين النخبة المعرفية التي تقود المجتمع ونحبة الحكم على الساحات العامة للمجتمع بتكويناته ونقاباته وقبائله وإثنياته.

والبيئة الأولى في الأصل هي الحاضنة والقاعدة التي تستمد منها السلطة المشروعية، والثانية التي تحتكر القوة والحكم وتستمد شرعيتها من الثقافة العامة للمجتمع والرضا الشعبي، وهذا التمييز يرافقه التقسيم وفقا لخصوصية كل منهما.

وأن الدعوة إلى خلافة إسلامية هي دعوة سياسية طائفية  غايتها استبدال الفكر بالقوة والعنف والسيطرة على إرادة ومقومات المجتمع بالكيفية الطائفية أو الفكر المتصلب، وهذا يخالف إرادة الإنسان وعقلانيته في رعاية مصالحه وحقه في الاختيار والتعبير والمشاركة،  وقد أدى توظيف مفهوم الخلافة والإمامة من قبل الخوارج  إلى تشكيل ديانات داخل الدين وأنظمة حكم مناقضة لما يدعو إليه الوحي ومتناقضا مع المصلحة العامة العقلية والشرعية.

وقد جعلوا من الفروع أصولا أضرت بأمن وفكر وعقلانية واستقرار المجتمعات ومصالحها، حيث تعمل المعتقدات الطائفية على إشغال عوام المجتمع بالخلافات العقدية والطائفية، وتجيش المجتمعات التنموية بالعنف والعسكرة والاقتصاد الحربي وتدمير البنيات الحضارية والمدنية التي كانت أول الأسس الذي عمل الإسلام على تأسيسها.

والذي يستقرأ التاريخ سيجد أن المعتقدات الطائفية التي لا تمتلك إرثا حضاريا عدليا إنسانية تدمر الدول والمدنيات والحضارات القائمة، وتستبدلها بالصراعات المحلية أو الصراع مع الآخر، مما يؤثر حاضرا ومستقبلا على أمن المجتمعات النفسي والفكري والتنموي والأخلاقي، وقد كانوا وما يزالون من أدوات الهدم المحلي وأعداء النظام والأمن ومن عتاولة الاقتصاد الحربي.

وإذا درسنا نفسيات المجتمعات العربية فإنها تتناسب مع أنظمة الحكم الملكية وتنقاد لها لما فيها من تفويت لنزعات وطموحات العرقيات والمعتقدات الهدامة وطموحات القبائل في السيطرة على الحكم، فضلا عن الأحزاب المدنية التي تتعاطى مع الدولة كفيء ومغانم تتدرج من الديمقراطية إلى الخروج المسلح، تحت مظلة الدفاع عن الدين من جهة ، أو توظيف الدين في الحلول المدنية، وبالتجربة والمشاهدة نجد أن مساحات الفساد تتسع كلما كان في المجتمعات تنافس أو صراع على السلطة، وهذا من مخرجات الديمقراطية والحزبيات القبلية والجهوية والطائفية في مجتمعات العالم العربي ، وقد ساهمت في تفكيك وحدة وقيم وتماسك المجتمعات العربية.

ليس لأن الديمقراطية نظام حكم يتنافى مع المعتقدات، بل أن المجتمعات تتفاوت من حيث الوعي والخصوصيات، لأن ثقافة السيادة والتنافس عليها في العالم الإسلامي يعد من الثقافات العميقة في الفرد والأسرة والمجتمعات التقليدية.

بينما  نجد مجتمعات العالم الديمقراطي الغربي تتقارب بأوعيتها ووعيها وخصوصيتها وتضع لذلك مؤسسات معرفية، تجعل من المعرفة معيارا للمنافسة حيث تتنوع الديمقراطية تنوعا خصوصيا وبيئيا ومعرفيا، فهي متعددة وليست واحدة، وتتنوع الديمقراطية إلى ديمقراطية النخبة والتي نشأت مع فلاسفة التنوير والعقد الاجتماعي الغربي.

وإذا نظرنا إلى فلاسفة التنوير فقد دخلوا في صراع مع الأفكار التي تلغي دور العقل بمعارف مجردة لا قيمة لها على مستوى التربية والأخلاق، أو العدل والنظام، أو الإدارة والتنمية.

ولم يكن الهدف من ذلك الثورة على نظام الحكم، بل ثورة الأفكار التي تقيد الحريات، وقد ساهموا في تطوير أدوت الحكم، وتحرير النظم السياسية والإدارة من هيمنة الكنيسة التي اتسعت معها دائرة العبودية والإذلال والفقر والمرض، فكان التحرر بتحرير الإنسان وحفظا لكرامته وحقوقه، ومن ثم نشأ مفهوم حقوق الإنسان والحريات، ورغم أن هولاء الفلاسفة وضعوا قيودا للحريات، إلا أن أدعياء الفكر جعلوه مطلقا، مما التجاوز والتعدي وتحدي خصوصيات الأخرين، والإفراط يقود الانفراط، والتبرير يؤدي إلى التدمير.

ومن خصوصيات الغرب الحكم بثلاث أنظمة تتناوب عبر التاريخ وهي من تراثه وتجاربه التاريخية؛ وتتنوع بين حكم الأرستقراطية، وحكم الملكية وحكم الأولغاركية، وهذا الأخير هو أدنى وأسوأ طبقات الحكم الغربي الذي نقاربه بأنظمة الحكم الجبرية في ثقافتنا الإسلامية وهما من مداخل الفوضى التي تعمل على إعادة تجديد الحكم والعقل والأخلاق والعدالة الإنسانية بعد سلسلة من التضحيات والخسائر الناتجة عنها.

ثانيا: جغرافيا النسب:

تعد حفريات النسب من أكثر الحفريات تحريفا وخصوصا في دوائرها السياسية والعقدية التاريخية، ومتعصب النسب يعكس هشاشته الادعاء وإن اشتهر في المجتمع لأن علم التواتر من جهة والثقافة من جهة أخرى من المحددات التي تنظم الحكم بالإثبات والنفي، وقد وجدنا  ذلك مدونا في كتب المفاخر، وأي دخيل في أي مجتمع كان تسكن في جيناته ثقافة المفاخرة والتعصب، لأن أكتسابه بالولاء أو بالمصاهرة أو بالمواطنة يولد فيه قلقا نفسيا واجتماعيا، ثم تتطور حالته النفسية إلى الثقافة، حيث يتحول السلوك الشخصي إلى ثقافة عائلية ثم قبلية أو مجتمعية، وتتعمد المجتمعات التي تعاني من هذه الثقافة إلى الطعن في الآخرين لأنها تدرك أن الهجوم أول حصون الدفاع عن الذات الثقافية المضطربة.

وبهذا التعصب يتحول الدخيل إلى حاكم ومرجع يهمين على الأصالة وينظر لها ويكتبها ويؤرخها لبنيه،  بينما المجتمعات الأصيلة التي هي منجم الأخلاق والقيم العدلية والقبول بالآخر والتعايش وقبول التعدد، تعبر عن أصالتها بفضائلها، وقد تتعرض للتجهيل والتهميش بعد أمد من حكم ونفوذ الدخيل الذي يعمل على إقصاء هذه المجتمعات الحاضنة له والذي اكتسب منها مكانته.

وأي مجتمع تأخذ صراعات النسب طولا وعرضا  يعد من المجتمعات المضطربة النسب والتي تحتاج إلى تحقيق، لأن النسب مفهوم قيمي أخلاقي وليس جينيا، وكلما ارتقى الفرد بقيمه وفضائله وحسبه وأخلاقه ارتقى في سلم النسب، و يقابله السقوط بقدر تفلته عن قيم الأسلاف وفضائلهم، ويقاس هذا النسب على المعتقدات بقدر انتسابها للأصول الثابتة أو تحريفها وانحرافها عنها.

ويعد هذا من الظواهر الإشكالية التي نجم عنها عدة فرضيات علمية تحتاج إلى دراسات معمقة.

وقد تعرض النسب العلوي للتهميش منذ مقتل الحسين، وكان الدافع وراء استئصال بنيه وبني أخيه قطع النسب نهائيا، ومن ثم الهيمنة عليه بالمصاهرة من جهة أو بالادعاء، والدافع وراء ذلك  النفوذ والأطماع السياسية.

ثم وبعد سلسلة من قتل بيوت الطالبين من بني عمومتهم، أدى الاختفاء وتغيير الأنساب  خوفا على النفس وفرارا من البطش إلى بروز أدعياء من غير العرب، ثم توسعت الدائرة لينتسب إلى العرب كثير من الأولياء أو النسب بالولاية لجني المكاسب السياسية، وتعد الهجرات من أهم أدوات تحريف الأنساب كلما اقتربنا من دوائر النفوذ والحكم.

وكلما زرعت أنسابا جديدا يقابلها اجتثاث انساب بقدرها، وهو مصداقا للحديث الشريف في جوابه عن العرب  “أنتم يومئذ قليل”.

ثالثا: التوظيف السياسي للشعائر الجغرافية المقدسة.

تعد ثقافة القداسة الجغرافية من الثقافات الوثنية التي انتجت عنها ما يسمى بالهوية القومية ثم تطورت إلى مفاهيم أخرى تتعلق بالهوية الوطنية والمواطنة، وارتبطت وثنية الجغرافيا المقدسة بالتضحية ، وترتب عليها رفض الآخر عرقيا وجينيا.

بينما لم تكن الجغرافية المقدسة في العالم العربي من المعتقدات التي يترتب عليها التضحية بالنفس، ولهذا شرعت الهجرة حفاظا على النفس، لأن الإنسان في  الإسلام مقدس بذاته، وقيمه الإنسانية السوية دستورا له، وأن جغرافية العالم بما فيها الجغرافيات المقدسة التي تقام في الشرائع  وتنظم سلوكه الديني، لن تكون ألفيته المقدسة ومطلوبه الأخروي،  وأن تميزه في حياته الدينية يقتضي  منه القدرة  على إقامة فرائض إنسانيته العالمية ، وحفظ كرامة الإنسان الذي يفوق في قداسته قداسة البيت الحرام.

والدنيا في نظر المؤمن قد يكون وسيلة وقد يكون وثنا، وقد أدرك عمر بن الخطاب في الإسلام أن تقبيل الحجر الأسود لم يكن حبا للحجر ، وإنما حب اهتداء واقتداء وتأسي، والحج إلى البيت الحرام إنما هو تلبية لأذان إبراهيم وقدسية بناة البيت المحرم أعظم من قدسية البيت الحرام، ولهذا يسمى البيت الإبراهمي وفيه مقام إبراهيم، كما أن المدينة اكتسبت قدسيتها بالهجرة، وليس لأن فيها خصائص تميزها عن جغرافيات العالم، ولو كانت مكة مقدسة بذاتها لما كانت الهجرة إلى الحبشة واجبة، ومن بعدها المدينة، وقد تميز المهاجرون بمكانة دينية فاقت مكانة مسلمي الفتح الذين جعلوا من مكة وثنا وليس ملجأ للإيمان، والله تعالى يدحض فكرة المساواة  بين قدسية الإنسان وقداسة الجغرافيا فيقول:” أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر”..

فإذا كانت مكة بمكانتها وقدسيتها أهون عند الله من استحلال الدم الحرام ، فإن الدفاع تحت مظلة الوطن إذا لم يكن محققا  لمصلحة شرعية وإنسانية  كان الظلم بديلا عنه، وبما أن الأساس فاسد بمقاصده، فإن نتائجه فاسدة.

وإذا عدنا إلى بيت المقدس باعتبارها أول الجغرافيات المقدسة التي دخل فيها الإسلام كطرف من أطراف الصراع مع الأديان الأخرى، ليشهد تحولا في أطراف الصراع بعد أن كانت صراعاتها بين أنصار العهدين، ثم الصراع عليها بين معتقدات العهدين وطوائفها.

سنجد دوافع  الإسلام في العهدة العمرية  تأسيس مدنية حضارية قائمة على التعايش السلمي بين الديانات التي تتقاسم القداسة مع المسلمين في هذا البيت المقدس، لأن المصالح فيها مشتركة، و يترتب عليها حفظ الأمن  وتحقيق السلام وحفظ الكرامة الإنسانية التي كان من أهم أولوياتها تحرير العقل الإنساني من قيود التبعية والتعصب والتقليد، لأن الطوائف المتعصبة التي تنأى عن الحوار والجدال الفكري  بين الأديان تعد فقيرة في أدلتها أو فهمها للأدلة.

ومن باب أولى فإن مكة لأهلها وهم الذين يسكنونها ويديرونها، وتحولاتها التاريخية لا يعني أن إرث النسب هو الأصل، وإنما الإرث مبني على فقه المعاملات  والبيوع منها، وقد كانت مكة مقصد العرب قاطبة ولم يدع أي من العرب أنه و بحكم استقبالها وتقديسها ملك له.

وقد تداول على حكم الأماكن المقدسة ممالكا وملوكا، فصارت بحكم ذلك تابعة لسلطان من تكون جغرافيتها تابعة له أيا كان، وعزته ومكانته وسؤدده بالخدمة لأن فيها وبها يقام الركن الخامس من أركان الإسلام.

وبما أن مكة منطقة عامة يحج عليها المسلمون بالصفة الكلية وبالهيئة التي  تواترت  بالأحاديث النبوية، ويذهب البعض من رجال الدين إلى الفتوى بعدم الحج إلى بيت الله الحرام للمقتدر، وجعل من الحج وسيلة من وسائل الصراع الاقتصادي مع النظام السعودي.

وهذه من الدعوات الشيطانية التي تبرر إسقاط فريضة  دينية بدواعي الاختلاف السياسي، وهذا صد كبير عن الشعيرة فاقت الأعمال البدعية وخالفت أصول الدين وآذان إبراهيم (ص)، وإسقاط لأمر الله وحقه على عباده “ولله على الناس حج البيت”.

كما أن من شروط الحج تعظيم الله وذكره والخروج من الدنيا بكل أدرانها وتعلقاتها السياسية وهي أيام محدد حصرت بالدعاء والذكر ، وللدعاء شروط يقتضيه  المقام، ومن ثم فإن أي توظيف سياسي للحج يندرج تحت “ومن يرد فيه بالحاد بظلم” وأعظمها الصراع الطائفي عليه.

ومن المخالفات الأصولية أن يتخذ الحج في الحروب الاقتصادية على النظام السعودي، مع أن المفتين يدركون أن السعودية من أعظم اقتصاديات الدول في العالم، وأن دعوة إبراهيم ومحمد (ص) يجعل المنطقة مكتفية بذاتها، وما تفجر الذهب الأسود فيها إلا ببركة الأنبياء والقيام بحقها، ومن ثمة فإن الدعوة إلى مقاطعة الحج ينم عن جهل بالأصول وهو أبعد ما يكون عن فهم الفروع، والله يقول: “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، وقد تكفل الله على أن  يقوم بهذا الأمر أهله في كل عصر، ولكل عصر دولة ورجال.

أما الدعوة إلى مخالفة النظم والقوانين المنظمة للحجاج  فهي من الفتاوى السياسية التي لا تنظر إلى مصالح الحجاج، وفيها من التعدي  الذي يترتب عليه إزهاق الأرواح، وعدم وعي بأهمية النظام والتنظيم الذي عمل بسننه العالم الغربي ، وإذ قارنا بين تنظيم الألعاب الأولمبية التي يستعد لها العالم الغربي أو أي دولة مضيفة لألعابها سنجد أن إدارة الحجيج  وتنظيمها أكثر حرفية واتقانا من التنظيم للألعاب الدولية مقارنة بالعدد والمساحة واختلاف اللغات  فضلا عن التجاوزات.

وقد تعمدت الفتاوى المخالفة لإدارة الحجيج إفساد موسم الحج وتحريف الشعيرة عن أصولها، بينما يعاني العالم الإسلامي من تفجير المساجد بالمصلين والفوضى الأمنية المبنية على الصراعات الطائفية والعقائدية.

ويعاني المفتي المعاصر من أزمة التقليد  من جهة أزمة الوعي بالقياس حينما يفتي فتاواه دون دراسة واقعة وعلم التنظيم، والمصلحة المتوخاة من النظام، إضافة إلى تباين الحالة الدينية والمعرفية بين الحجاج في العصور المتقدمة والأمية الدينية المعاصرة، ومن جهة أخرى العدد والمساحة، ولولا التنظيم لكانت لأدت فوضوية الحج إلى أن إزهاق الأروح، ولأدي إلى صراعات دموية  على غرار حادثة جيهمان.

أما الذي ينظر إلى الحج كإيراد اقتصادي، على غرار ما تقوم به الدول المستضيفة لكرة القدم، لكان المجال مفتوحا بأضعاف هذا العدد،  ولأفسدت قدسية الحج.

وبنفس السياق تحولت الأرض المقدسة إلى قضية سياسية جهوية وطائفية أبعدتها عن أهم ثلاث منظومات كلية  وساهمت في تفكيكها إنسانيا وإسلاميا وعربيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.