التغذية الأصولية ومفهوم الثقافة: قراءة في تطورات الفكر المعاصر

0 11

التغذية الأصولية ومفهوم الثقافة: قراءة في تطورات الفكر المعاصر

د. جمال الهاشمي

تعرض مفهوم الأصولية لعداء أيدلوجي عالمي ووظف سياسيا ودينيا من مختلف المعتقدات الحداثية والتاريخية، وتمكن منظرو الثقافة من جعله فرعا من فروعها، نظرا لأن المعتقدات في نظر هولاء هو الدين.

ويذهب البعض إلى المرادفة بين الثقافة والحضارية، وقد تأصلا كمفهومين جراء المنافسة وصراع الأفكار بين الحضارة الفرنسية والتاريخية الجرمانية، وأدت هذه الصراعات الفكرية إلى توظيف المفاهيم و تشكيل منظومتي الثقافة والحضارة.

وكان أول من ميز بين المفهومين تمييزا وظيفيا هو توماس مان الذي يزعم أن الثقافة تمثل الجوانب الروحية بينما تمثل الحضارة الآلية، واقتفى أثره ألفرد فيبر، وقد ولد هذا المفهوم في فرنسا خلال عصر الأنوار انزياحا ، من جهة ونقلا عن اللغة اللاتينية وبقي لفظا مركبا إضافيا في المعجم الأكاديمي الفرنسي 1781م ثم توطن المفهوم في المدونات الأدبية وحتى عصر الأنوار ظل المفهوم يتيما في علم الفلسفة الذي يعزو له الفضل في تطوير المفاهيم العلمية لكل العلوم الأخرى، ونقلته بريطانيا وألمانيا عن فرنسا وظل مفهوما آليا يحمل دلالة الحراثة لدى فلاحي اللاتين، ونظرا لافتقار اللغات الأوربية للمفردات العقلية فقد حاولتا استعارة المسميات  المادية وتحويلها مفاهيم عقلية ونظريات علمية.

وقد برزت لفظة الثقافة  في القرن الثامن عشر لصيقة بالفردية واستخدمت للتمييز بين الطبقات العلمية وهي نزعة فلسفية بدأت جذورها في النظرية التعليمية الأفلاطونية، ثم أصبحت الثقافة أيدلوجيا فلاسفة الأنوار الحداثية، وشكلت لها مفاهيم رئيسة وثانوية ومساعدة وساهمت المفردات الواقعية المفسرة لها كالتطور والتقدم الذي صادف ميلاد الحضارة التجريبية الغربية وما تلاها من مفاهيم عقلانية تربوية وسلوكية ميزت السلوك الأوربي النموذج عن النماذج السلوكية للدول المتخلفة، وبذلك تطورت الثقافة من كونها أيدلوجيا طبقية إلى أيدلوجية دولية وحضارية انتهت في أوسع النظريات الجينية والجغرافية إلى تقسيم العالم بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة والدولة الوسيطة، وتعني الوسيطة التي تتميز بجينات تقترب من جينات المتقدم، بمعنى القادرة على التقليد كاليابانيين وقد تتوسع النظرية لتشمل الصينين والعرق الأسيوي الشرقي، أما المتخلفة فهي أدنى العرقيات كالعرب والأفريقان، وقد ورد ذلك في مؤسسي النظرية الآرية للنازية الألمانية.

وقد سيطرت مفردات هاتين المنظومتين على المصطلحات العلمية الحداثية منذ ابتكار العلوم المتخصصة، وتحولت هذه العلوم عند متخصصي دول العالم الثالث إلى قيود وقوالب وأقماع حالت دون تطوير العلوم المنهجية، ورفض المتخصصون المقاربات اللفظية والتأصيلات العلمية للمفاهيم إلا بالعودة إلى المرجعيات الثقافية والحضارية، وأدت هذه الطريقة في الجامعات العربية والتعليم إلى تجميد العقل العربي وتقييده، وتحرر من الموروث اللفظي القديم ليدخل مرحلة التقليد للعلوم الحداثية، ويرجع ذلك إلى افتقاره للآليات المنهجية التي تمكنه من تحول الألفاظ العربية إلى مفاهيم ونظريات ومداخل وآليات، والمعروف عنه أن تطور الواقع وحداثته يكون تابعا لتطور اللغة الأفكار والمفاهيم العميقة لأي خصوصية حضارية.

لهذا نجد الإدارة التعليمية في العالم العربي ومترجميها  ينقلون المفاهيم الغربية نقلا صوتيا أو لسانيا كما ينقلون المناهج والمنهجيات على طريقته التقليدية المتعمقة في المفاهيم التربوية للأسرة والمجتمع والنظام وهذه المحاضن التربوية التقليدية على الطريقة التاوية والبرهمية في هذا العالم الثري بالتراث الحضاري والتاريخي  أضرت بالعقل العربي الأكاديمي والحيوية الإدارية والمؤسسية نظرا لقيودها التربوية المعوقة للقيم العقلانية والتطورات الفكرية.

وعندما قدم المعهد الفرنسي مفهوم العلمانية لدراستها من مداخل الخصوصيات الدينية والحضارية والعقلانية والإنسانية وأطر لهذا المفهوم تأطيرا منهجيا، وضبطها في حدود القواعد المنهجية والمحددات العلمية وجد معارضة لا منطقية وخوفا من خوض مضمار النقاش الفكري، وقد وجدت الديمقراطية معارضة  متصلبة من قبل مفكري وعلماء الإسلام السياسي حتى انكسر الباب وفرضت وجودها ثم أصبح هولاء المعارضين من أبرز المنظرين لها تنظيرا إسلاميا، وبنفس السياق خروج المرأة خطيئة في ثقافة الأسلمة (فقهاء الاعتزال المعاصرين) ثم أصبحوا من أبرز المجندين لها تقليدا لفلسفة الزينبية التي أصل لها فقهيا وحركيا الإمام الخميني.

وتعد المدرسة المفاهيمية التي أطلقها وسعى لتأسيسها الأستاذ سيف الدين عبد الفتاح واحدة من أهم المحاولات التجديدية لأصولية المفاهيم، إلا أن الكثير نحى بهذه المفاهيم منحا أيدلوجيا أو معجميا، أو تعريبا وترجمة افتقرت للقواعد المنهجية، مما أدى إلى اخماد هذه الحركة المنهجية.

فإذا وقفنا على مفهوم الثقافة التنويرية سنجد أنها مرت بثلاث مراحل:

  • المرحلة المعجمية وهي الحالة التي أصبحت رهينة التعريف بالإضافة كأن نقول: ثقافة الفنون، ثقافة التاريخ، … الخ.
  • المرحلة الأدبية: وهي الحالة التي نقلتها من التجسيد الحضاري إلى المجاز وهي المقدمة الأولى لإثراء المفاهيم العقلية.
  • المرحلة الفلسفية: وهي الحالة التي استثمرها الفلاسفة لتتحول من قيمة مادية إلى قيمة أيدلوجية تجمع بين البنيات الفوقية والتحتية.

ومن خلال مدركات الذهنية الواعية تبين أن تطور الثقافة بدأ معجميا والمعاجم هي الأصول البنوية ثم أدبيا والأدب هو فكر اللغة، ثم فلسفة وهي القيمة المنهجية للعقل، ومن جهة أخرى فإن الثقافة ليست من المفاهيم الأصولية لأنها وليدة الحداثة، ولأنها تطورت بمفاهيم قائمة بها، وقد أحسن استاذنا الدكتور سيف الدين الذي كان أول من شرح المفاهيم الكلية إلى مفاهيم رئيسة وثانوية، وفتح الباب للاجتهاد في هذا العقل المفاهيمي.

ويدفعني الحكم على الثقافة بعد التوضيح والاستدلالات التي أشرت إلى بعضها وتركت الكثير منها نظرا لضيق مقام المقال في تحليل كل شيء إلى القول أن الثقافة هي تصور الحضارة في الذهن بينما الزراعة كآلية من آليات الحضارة المادية في الطبيعة هي الحضارة، وخلاصة ذلك أن الحضارة هي الحاضرة في العين المشاهدة والثقافة هي الحضارة المتصورة في الذهن.

الثقافة كقيمة روحية عند منظري الغرب من المطلقات الوهمية – المتخيلة، وليست حقيقية، وأرى أنها قيمة وجدانية لارتباط الوجدان بمشاعر نفسية، فالذكريات تغذي الوجدان حزنا وفرحا، ترحا وسعادة، وتتطور إلى سلوكيات كانت محل دراسات العلوم النفسية. مثلها مثل صوت آلة الموسيقى التي تحرك الوجدان وتظهر فيه علامات التأثر بحسب المحتوى الموسيقي،  والصوت يرتبط بأصل لميلاده ووجوده  وهو ما أعني به الشق المادي المعروف بالآلة الموسيقية.

وبحسب ما اتبناه من أطروحات منهجية جديدة رصينة تتميز بالعلمية العملية، فإني صنفت المفاهيم إلى أصناف أشير إلى بعضها لإثراء الطرح حول مفهوم الثقافة في سياق التأصيل المفاهيمي وهي:

  • المفاهيم المزيفة: وهي بلغة اليونان ولغة الكمبيوتر الحديثة المفاهيم المقرصنة التي تبني وجودها على مفاهيم أخرى من أجل إبراز نظرية تعيد ترميم الذات التائهة، وهذا ما يمكن إدراكه في النظريات الحداثية، والصراع الفكري بين الثقافة والحضارية.
  • المفاهيم التاريخية: وهي المفاهيم التي شكلت منظومة المفاهيم العرفية وبنيت عليها أحكاما عرفية، وتحولت من اللفظ المجرد إلى الاصطلاح.
  • المفاهيم الأصولية: وهي المفاهيم التي تطورت بمحددات المبادئ الأولية منذ بداية النشأة والتكوين الأول، وقد تكون محددا للعقل أو متحددة به، بحسب قوة وقيمة المرجعية الأولى.

والأصولية مفهوم علمي ارتبط اسمه بالأديان كمفهوم الأمة في الفلسفة وكلاهما تعرض لهيمنة المفاهيم المزيفة، فالقومية والوطنية وأسماء النسبة كالقومي والوطني حلوا بديلا عن مفهوم الأمة وتفرعاتها كالشعب والقبيلة، والثقافة احتوت مفهوم الأصولية، ولأن الفلسفة لم تستطع أن تهضم الأصولية فقد تغذت بها امتلأت بمفاهيمها ثم أخذت بعض مفاهيمها وعارضتها بها.

وكما الفلسفة وظفت للمصالح الأناذية فإن الأصولية تعرضت لهيمنة المعتقدات والمذاهب، وتمكن العقل الديني من إحداث تحولات أسبقية بين العقيدة والأصول، وجعلت الأصول التي تستمد شرعيتها منها فروعا، ومن تكوينها المستحدث عنها أصولا خضعت لأهواء الأناذية الولائية من الولاية أو الأناذية الحلولية التي سكن فيها العرق المقدس. وهذه المحاولات تسكن نفوسا مقلدة لكنها لم تسكن العقول الواعية.

وقد تماهت المعتقدات في الفلسفة وتداخلت من جهتي الموافقة والبناء أو النقد والتناقض، وتعقدت بهذا التداخل المفاهيم وأحدثت فجوات وتحيزات ذاتية، أدت إلى تعدد المعتقدات والمذهبيات وتعددت وترادفت فيها المصطلحات الفقهية وتداخلت فيها الأعراف والأحداث والتجارب حتى شكلت نظريات ومنها تحولت النظريات إلى معتقدات مغلقة. ومما يميز الأصولية انفتاحها، ونقديتها، وحكمتها، وفصلها بين المفاهيم الدنيوية والمفاهيم الأخروية، وبين الإيمان التصديقي والإيمان التشريعي.

والتغذية الأصولية تتبنى العودة إلى المبادئ الأولى، بينما التجديد يدعو  إلى تجاوز التراث البشري والاجتهادات بالدعوة إلى الاجتهاد من مصادره الأولى، والذي يتابع تطورات الفلسفة يجد المبدأ الإنساني هو الأصل الأول الذي تفرعت عنه العرقيات، والأمة هي الممارسة الأصولية الأولى للأصول الفكرية، وعن الممارسة تولدت المذاهب الفلسفية، ونفس السياق كانت الأصولية الدينية مع المعتقدات، فالممارسة التي كانت مع الحواريين وبني إسرائيل والصحابة تحولت إلى مفاهيم مقدسة وعنها تطورت إلى مذاهب ومعتقدات تراكم فيها مفاهيم التاريخ والمقدس، وأصبح الأصل بعيدا عن الفرع  أو يحمل معنى معجميا غير الذي كان عليه المعنى الأول.

فإذا ربطنا المعتقدات سنجد أن لكل منها تغذيات تاريخية قاربت الجغرافيا بالمقدس أو تماهت معه، ومنها من تقاربت مع معه جينيا (عرقيا) أو مزجت بين العرقية والتاريخية، ويمكن أن تكون التغذية لحفظ شيء أو توسيع جغرافيته، فالتغذية الإسرائيلية  ارتبطت بالقدس من جهة التاريخ والنبوة والبنوة والمكان، كما ارتبط المسلمون بمكة من جهة النبوة والبنوة والمكان والتاريخ، ومع التحول إلى المدنية أخذ التاريخ سياقات أصولية، وتطورت مع حدث النبوة المحمدية قدسية المكان من مكة إلى القدس، لتعبر عن الأصل الإنساني المشترك حيث تجتمع الأمم والمعتقدات في القدس، بينما تعبر مكة عن الأصل الفكري الواحد للإنسانية من منظور النصوص الدينية، وهنا برزت الخصوصية الإنسانية من جهة الفكر الذي لا يمنع الأخر من المقاسمة، أو يتميز به عن غيره؛ فالاعتقاد الديني يوجب استحقاقا جغرافيا للمؤمنين به مهما اختلفت عرقياتهم وألوانهم، وأن التمييز في المفاهيم الإسلامية يبنى على الأصوليات وليس العرق.

وسنجد أن المكان والتاريخ تطور بأحداث سياسية مع سبط النبوة ليضفي إلى المكان الأول حدثا مكانيا آخر في كربلاء، ومنه توسع الإرث العرقي لتدخل قم المقدسة في إطار الفكر الديني .

ويمكننا إن توفر الوقت أن نتعمق في مفهوم التغذية، وتشريح مفاهيم أخرى ليست بأقل أهمية من التغذية الأصولية كالتغذية القيمية والتغذية الأخلاقية والتغذية الثقافية وأثر كل تلك المغذيات على  كل من مفاهيم التطبيع أو الصراع مع إسرائيل والتقارب  والصراع مع إيران، وأثر هذه المغذيات على الحوار الديني والحضاري أو الثقافي  والإنساني وكيف بنيت النظريات الحقوقية وتأسست في كيانات مؤسسية عالمية ومحلية تدافع عنها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.